حين يقود العميان القاطرة .. تقع المصائب

إن المشهد الهزلي كان أقرب ما يكون إلى أطفال "الحضانة" الذين يخرج الواحد منهم صارخاً: يا أستاذ فلان ضربني.. ليقول الآخر: والله يا أستاذ هوا اللي شتمني الأول، فيرد الأول: بس هوا اللي كان بيتريق على الكراسة بتاعتي.. فيحاول الثاني الرد، وهنا يفيض بالأستاذ مللاً وينهرهما ويطلب منهما الجلوس، أو يعاقبهما كيفما اتفق. لكنهما في "الفسحة" يعودان إلى لكم وضرب بعضهما البعض ويظهر لكل منهما أنصار .. ثم تنتهي باقتسام الخدوش والسحجات وعودة كل منهما إلى "أمه" لتربيه.
كان الواقع برغم قبحه وعوره يذكرني بذلك المشهد حتى صافرة انتهاء "أم المعارك" بالسودان، حين تحول الهزل إلى كابوس حقيقي.. لم تكن "الأم" في الطرفين على درجة كافية من المسؤولية والعقل، وتفرجت الحارة بأسرها عليهما وكل طفل يسحب أمه من يدها لكي تكمل وصلة الردح، والتلاسن مع توعد بسواد الليل وظلامه وتقاطع كل منهما جارتها.
سوف يرى الكثيرون الحماقة في السباحة ضد التيار فيما هو واقع الآن من مصائب بين مصر والجزائر، أعرف شخصياً مثقفين كبار متأففين مما حدث، لكنهم يفضلون التروي بعض الوقت على الكتابة أو التصريح بأي تعليقات قد تجعلهم كمن دخل حجر الثعابين بقدميه. وسوف يكون أصحاب أي محاولات للفهم والتفسير عرضة للاتهام والتجريح، أما هؤلاء الذين سيحاولون الصلح والتقريب، فأشفق على مصيرهم.. وكان الله في عونهم!
أشعر بكثير من التقزز والقرف والإشمئزاز من "وصلات الردح" التليفزيوني والصحفي المتبادل بين المصريين والجزائريين بمباركة رسمية. وأحيانا تنتابني موجات من الضحك الأسود تنتهي بشعور إحباط واكتئاب عارم مما كنت أظن فيهم بعض العقل وإذ بهم حفارو قبور.
لقد نجحت تلك الحملات – وربما لأول مرة في التاريخ العربي – في شحن الرأي العام (وليس جماهير الكرة فقط) بأطنان من الكراهية والحقد الأسود ربما تكون حية وشياجة في النفوس بأكثر مما يعتمل ضد أعدائنا الحقيقين ومستعمرينا الجدد والقدامى. وللأسف النار لن تطال فقط من أشعلوها.. وهاهي الحرائق تتسع.
إن ردود الأفعال المسكونة بالحقد والكراهية ليست سوى أعراضاً لأمراض استوطنت الشارع والنخبة على حد سواء فحدث ماحدث.. وفي خضم الطيش الإعلامي المتبادل ضاعت أصوات العقلاء ومحاولات التهدئة ووضع الأمر في مقامه.. لذلك أرى من الواجب التذكير بكبائر الأمور، والبعد عن الخوض في التفاصيل، بعض تلك الكبائر معروفة للجميع وإن نسيها البعض، وثمة كبائر أخرى تحتاج بعض التدقيق.
أولا: إن السبب الرئيسي في كل هذا الشحن وراء مباراة كرة، هو اتساع رقعة الحرام السياسي، وخلو البلدين من أي مساحة للفعل السياسي الحقيقي والقنوات السلمية للتعبير عن الانتماء السياسي، أضف إلى ذلك خلو البلاد من أي مشروعات قومية عملاقة تلتف حولها الجماهير، بالإضافة إلى حالة من الوطنية الشكلية أو حتى الحقيقية تشجعها وسائل الإعلام والنظام الرسمي يجعل من الاستاد ملعباً للسياسة، ومن المرمى صندوقاً للاقتراع، ومن جماهير الكرة ناخبين سياسيين. هذه الحالة المغلوطة إذ تنبأ أن جذوة الإحساس الوطني مازال كامناً في نفوس الناس، برغم القهر والكبت والاستبداد، إلا أن التعبير عنها يظهر في المكان الغلط، وبالطريقة الغلط بتشجيع ومباركة رسمية.
بمعنى آخر إن الأمر يشبه جزئيات الماء المغلي التي لن تفكر كثيراً في أي قناة ستعبر طالما أنك سمحت لها بالمرور.
ثانيا: إن جنون الكرة أو Football mania موجود في العالم بأسره، والدول المتقدمة أسبق في ظهور ذلك الجنون بحكم أن اللعبة ظهرت فيها وتطورت عند شعوبها أولا، لكن الفرق بين الدول المتقدمة والمتخلفة، أن الأولى تعرف أن التنافس مكانه الملعب، ولا تتأثر العلاقات التاريخية والاقتصادية والسياسية بين البلدين بنتيجة تلك التسعين دقيقة.. وحتى في حال خروج بعض الأحداث عن إطار الملعب وامتدادها لتنال من الأخلاق والقانون، فإن ذلك ينطبق على فئة محدودة من متعصبي الجمهورين ولا يتأثر به عامة الناس ولا يتحول الموضوع إلى مباراة أخرى في الشحن والكراهية والحقد بين شعبي البلدين.
وهاهو – لسخرية القدر – مثال حي على ذلك، وقع في نفس اليوم تقريباً في مباراة مماثلة بين فرنسا وأيرلندا، حيث لمس المهاجم الفرنسي تيري هنري الكرة بيده عمداً ومررها للاعب آخر أحرز منها هدف فرنسا الذي أهلها لكأس العالم.. صحيح كانت هناك بعض أجواء التشاحن ومطالبات بإعادة المباراة، لكن المدهش أن تيري هنري قال بنفسه إن إعادة المباراة حل عادل، بينما اعترف مدرب منتخب أيرلندا أن إعادة المباراة مستحيلة بسبب فهمه لقوانين الفيفا التي لم تنص على إعادة مباراة بسبب خطأ تحكيمي. أين ذلك مما يحدث بين مصر والجزائر؟
وقد تحدث الكاتب الكبير سلامة أحمد سلامة عن مثل ذلك في مقال له قبل المباراة بعنوان "حروب كروية" بجريدة الشروق المصرية.
أما الدكتور عمرو الشوبكي فيذكرنا بـ "ما جرى للمشجعين الإيطاليين على يد بعض المشجعين البريطانيين المتعصبين منذ أكثر من ١٠ سنوات، حين سقط ما يقرب من ١٥ قتيلا (على ما أتذكر) من الجانب الإيطالى فى قلب الاستاد، وشعرت بريطانيا بالعار والخجل من هؤلاء، ولم يقم الإيطاليون بالانتقام من البريطانيين فى شوارع روما."
ثالثا: لا أميل إلى نظريات المؤامرة وأفضل عنها نظريات التوظيف، وأرى إن النظام الرسمي الحاكم في البلدين قد وظف بخبث شديد مايحدث لصالحه ولصالح جني التأييد لنفسه على حساب كل القيم والروابط.. وقد اتضح ذلك في مساندة رسمية من رأسي البلدين وزيارات للاعبين، في حين لم نر كل هذا التأييد والتواصل الرسمي في الكوارث والملمات الكبرى على نفس ذلك المستوى من الاقتراب من الناس والحدث.
كما اتضح أيضاً في "ركوب الموجة" وإبداء النية في توفير كل سبل النقل والإقامة للمشجعين للذهاب إلى السودان، الأمر الذي ساهم في "تسييس" المباراة، وتحميلها أعباءًا سياسية لم تكن بالحسبان.
وإن كان الكاتب نبيل شبيب يرى أنه من حق البعض أن يتكهن حول دوافع "انزلاق أقلام معروفة، ووسائل إعلام رسمية وشبه رسمية، وألسنة مسئولين "كبار" إلى تأجيج فتنة جديدة، فمن الطبيعي أن تنتشر التكهنات انطلاقا من السؤال: ما هو الدافع الحقيقي؟ هل هو انتصار للكرة وأهلها والشبيبة وحماستها، أم هو إسهام مقصود في نشر الفوضى الهدامة لتمرير مخططات دولية خطيرة؟".
وفي مقاله الدرامي تطرق الدكتور علاء الأسواني في مقاله "حكاية نورا والمنتخب الوطني" إلى تلك المفارقة، من خلال قصة مواطنة مصرية "تشحطط" بها زوجها على أبواب المستشفيات الحكومية التي أهملت رعايتها حتى فارقت الحياة.. في حين يُصّر البعض على أن الاهتمام بالكرة يعود إلى كونها هي ما يفرح الناس، وكأن توفير الغذاء والكساء والدواء للناس لن يفرحهم .. ولكنها حجة البليد كما يقولون!
وفي المقابل فإن الجماهير الجزائرية التي ضللها الإعلام حول سقوط قتلى جزائريين في مصر لم يحركوا ساكناً إزاء أخبار مؤكدة بسقوط 18 قتيل وعشرات الجرحى في حوادث سير بسبب الاحتفالات بالتأهل للمونديال.
رابعا: إن مصر الرسمية وحواشيها من النخبة المحسوبة على الثقافة، مازالت كل يوم تفقد من رصيدها ومكانتها كأم وشقيقة كبرى للعرب، بدأ ذلك منذ معاهدة كامب ديفيد في السبعينات وتصاعد مع اشتراك مصر في حرب الخليج الأولى، ومؤخراً في موقفها السلبي – على أقل تقدير – إزاء العدوان على غزة، ثم أخيراً اتساع نعرات "كفاية كدا".. ليس كفاية للاستبداد ولا كفاية للقهر ولا كفاية للتخلف والأمية والجهل.. وإنما كفاية لدور قائد تنويري لعبته مصر طويلا وظلت تحصد ثماره المعنوية والمادية على مدى عقود.
إن استخدام أساليب المنّ وتعديد المحاسن ليس من شيم الكبار، والكبير كبير بأفعاله وتصرفاته ومواقفه، وليس بتاريخه فقط، وقد هالني أسلوب المنّ والقدح الذي ساد الإعلام المصري حتى من قبل مباراة القاهرة، ولسخرية القدر فإن أغلب الذي شاركوا في حملات المزايدة والمنّ هم أولئك الذين لعنوا سلسفيل عبد الناصر، واختاروا "السلام" خياراً استراتيجياً يأكلونه غداءً وعشاءً..
وكم سجلت الأيام كباراً استحالوا صغاراً والعكس في حركة الأمم. صحيح أن مصر مازلت بها مقومات النهضة والقيادة وأسباب النجاح، لكن القيادة السياسية عطلت تلك الأسباب وأصبح شعار الانكفاء على الذات بحجة أو بأخرى هو السائد. وليت ذلك تم في مقابل تنمية حقيقية اقتصادية أو سياسية، كما كانت الأقلام تبرر أحياناً، وإنما ما نلمسه يومياً هو لا تنمية ولا اقتصاد ولا سياسة.
الكبير كبير بأفعاله، ولو كانت مصر تريد أن تظل رائدة في مواقفها حقاً لاختارت التهدئة والتعالي على الصغائر واحتضان شقيقتها الجزائر مهما بدر من صحف مارقة أو أطراف متعصبة.. وكان من شأن فعل من هذا القبيل أن يوأد الفتنة في مهدها، ويقوي اللحمة بين الشقيقين.. إما أن تنفض يدك وتعترف بذلك بشجاعة، وتفعل ما يحلو لك منتظراً حكم التاريخ عليك، وإما أن تلتزم بما يقتضيه وصف "الشقيقة الكبرى" من مواقف.
هل لي أن أتساءل بدون براءة مقصد: لماذا لم نسمع صوت السيد علاء مبارك بنفس الحرقة والقوة والانفعال على الفضائيات حينما وقع بأهلنا في غزة ما وقع من مجازر وثقها تقرير غربي محايد؟!
ألم يلاحظ المصريون أن الإساءة لبلادهم لم تأت عن طريق بعض الجزائريين فقط ولكن استغل الحدث مواطنين من جنسيات عربية أخرى؟ لماذا تفقد مصر وشائجها مع العرب بهذه السرعة، ألا يستدعي ذلك وقفة مع النفس؟ كثيرون طرحوا تساؤلات مشابهة ومنهم الزميل أحمد مهنا في مقاله المهم "كثير من الرؤى قليل من الوضوح"
لقد واتت الشجاعة قليل من الكتاب منهم الباحث والمفكر المصري د. عمرو الشوبكي لكي يعترف بأن: "الإعلام الرياضى المصرى قد تفوق فى الجولة الأولى السابقة على مباراة القاهرة على نظيره الجزائرى حين قدم «فرسان الجهل» ومندوبو بيزنس الكراهية من مقدمى البرامج الرياضية من لاعبى الكرة حملة كراهية وعداء غير مسبوقة، أهانوا فيها منافسهم بطريقة لزجة وتعاملوا معه باستعلاء وتحدثوا عن ريادة مصرية غائبة تستفز عقلاء المصريين فما بالك بمجتمع صعب المراس مثل الجزائريين".
أما آخرون فقد تراجعوا عن حملاتهم التي قادوها للتهدئة إزاء خوفهم على "البيزنس" تارة، أو اتساقاً مع المزاج العام والرسمي تارة أخرى. ولم يلتفت الإعلام للأسف لمبادرة مثقفين جزائريين للتبرأ من دنائة ما كتب في الإعلام الجزائري.. فالمهم هو "ركوب الموجة".. وقرع طبول الحرب!
سيقول البعض، ولماذا لم تبادر سلطات الجزائر للتهدئة؟ وهؤلاء معهم حق، لكن الكبير مسؤوليته أكبر. لكن الصغير والكبير سقطا في الامتحان.
خامساً: لم تتجافَ الأصوات النكرة فقط مع الأخوة والعروبة والإنسانية، ولكنها تتنافى حتى مع ذكاء الدبلوماسية ولغة المصالح المشتركة، لقد كان من نتاج المزاج الرسمي الحاد أن فاقم المخاطر التي حاقت برعايا كلتا الدولتين على أرض الأخرى.. وانظروا ماحل بشركات المصريين التي كانت مصدر رزق للكثيرين بالجزائر، وما حل بالطلبة الجزائريين بالقاهرة من رعب بعد " أم المعارك"! وهناك حديث عن إن الاستثمار المصري في الجزائر بالمليارات، ويفوق استثمارات دول أجنبية كبرى، فهل يمكن الحديث هنا عن مصالح لجهات أجنبية في تخريب العلاقات الاقتصادية بين البلدين؟؟ من سيسد الفراغ الذي سيخلفه رحيل الاستثمارات والعمالة المصرية؟
سادساً: إنني أرى ضرورة تشكيل لجان محايدة للتحقيق في التجاوزات التي وقعت في كل من السودان ومصر، ولكني لا أتفق مع الرأي القائل بتقديم لجنة التحقيق على المصالحة والاعتذار.. وقد ناصر أستاذنا فهمي هويدي هذا الرأي في مقاله بالشروق يوم السبت (إن لم أخطأ فهمه) ولكني أرى أن هذا الرأي أشبه ما يكون بوضع العربة أمام الحصان.. لأن الأنظمة الرسمية هي المنوط بها تشكيل لجان للتحقيق، والأنظمة الرسمية كما شاهدنا جميعا سعيدة وربما مشجعة لما يحدث، ومنكفئة على ذاتها ومشغولة بهواجسها الخاصة في حسابات بقائها في السلطة.. ولا يمكن أن يعطل الشعبان المصري والجزائري مصالحهما وتاريخهما المشترك من أجل تلك اللجان..
نعم إن ما وقع من أحداث يستلزم لجان تحقيق محايدة، يقدم بموجبها كل مخطئ كما قال الأستاذ فهمي هويدي في مقاله إلى المحاكمة، أو الحساب.. لكن لايجب أن ينتظر العقلاء في الشعبين طويلاً إزاء تلك الخطوة، ولا يجب أن يعولوا كثيراً على الأنظمة الرسمية التي خذلتهم طويلاً.
وأرى أن الأنسب في إعادة الحقوق هو أن يتقدم أي من وقع عليه ضرر مادي إلى القضاء، مثلما أدان القضاء المصري منذ عقدين اللاعب الجزائري البلومي حين رفع مواطن مصري قضية بسبب فقأ اللاعب لعينه بعد المباراة، وقد ظل البلومي شبه حبيساً في وطنه 19 عاماً بسبب وضعه على قائمة الإنتربول الدولي حتى تنازل المواطن المصري عن القضية.
يعضد من الرأي السابق، كون أن الانتهاكات والتجاوزات وقعت من جمهوري وإعلاميي البلدين على مدار "المعركة الكروية"، وإذ كان العقلاء لن يسيروا في ركاب الإعلام في "ملأكة الذات وشيطنة الآخر"، فإننا إذن بصدد اعتراف متبادل بوقوع تجاوزات مسيئة للرياضة والكرة قبل الأخوة والعروبة.. وبالتالي فإن الدخول في خصام بشأن "حجم" تلك الانتهاكات لا يعد مفهوماً بعد أن سلمنا بوقوعها، والأجدر أن يعتذر عنها الطرفان دون انتظار لجان التحقيق وغيرها من الإجراءات الرسمية التي نحلم بها ولن تتم.
بعبارة أخرى فإن وظيفة تلك اللجان لن تكون إثبات وقوع انتهاكات من الطرفين بقدر ما هي مطلوبة للوقوف على حجم وحقيقة تلك الانتهاكات ونوعيتها ومرتكبيها.. وهي التفاصيل المهمة بخصوص عودة الحقوق الفردية لمن وقع عليهم الأذى، لكنها أقل أهمية في سياق الحديث عن مصالحة بين الشعبين وإصلاح ما أفسدته السياسة والإعلام وسفهاء الجماهير في الجانبين.
سابعاً: إن ضياع صوتي عالمين لهما جمهورهما العريض في البلدين، وهما الشيخ القرضاوي والشيخ عباس مدني، في محاولة للتهدئة قبل المباراة، إنما تكشف عن أمرين متشابكين كوجهي العملة،وهما: صعود التدين بنوعيه "الطقوسي" و"السياسي" على حساب التدين الحقيقي.. وثانيهما: طبيعة جمهور المشايخ الذين لم ينجحوا في مخاطبة العامة اللهم إلا في مسائل جزئية تتعلق بالفقه والفتاوى الشخصية، في حين أن صوتهم خارج هذا الإطار لم يكن مسموعاً أو مطاعاً.
صحيح أن أجواء الصخب الإعلامي والمزاج الرسمي كانت تحجب أصوات العقل، لكن هذا وحده ليس كافيا في تفسير عجز الوازع الديني الذي يتشدق به الجميع بمناسبة وبدون.
وهي تعكس أيضاً غياب غير بريء للمؤسسة الدينية الرسمية في البلدين التي لم تقم بما هو واجب منها في مثل تلك الفتنة السوداء.. وهو غياب يُفسر ويفسِر التوظيف السياسي للحدث.
أخيراً، إن جاز لي أن أبدي رأياً فنياً فإني أقول إنه بدلاً من تطاول المصريين على الجزائريين والعكس بالعكس، كان ممن الممكن أن تقود البلدان حملة دبلوماسية وكروية في الأروقة المعنية والفيفا لزيادة حصة قارة أفريقيا من المنتخبات في كأس العالم.. ففي حين تحظى الملاعب الأوروبية الآن بجماهيرية عارمة بسبب اللاعبين الأفارقة، كما تزخر المنتخبات الأوروبية والأمريكية باللاعبين ذوي المهارات العالية من أصول أفريقية (لاحظ كم لاعب أسود في أي منتخب أوروبي) لا تملك أفريقيا سوى خمسة مقاعد فقط في المونديال العالمي.
وكانت لحد عقدين تقريبا لا تملك سوى مقعدين، لكن ارتفاع مستوى الكرة الأفريقية وظهور لاعبيين على مستوى عالمي أدى إلى زيادة حصة أفريقيا..
إن منتخبات كبيرة عريقة مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا تعاني أحيانا من صعوبة التأهل لكأس العالم برغم أن أوروبا مثلاً تمتلك 13 مقعداً في كأس العالم وهي أصغر قارة في العالم.. فلماذا لا يقود العرب الأفارقة حملة دبلوماسية لزيادة مقاعدهم إحقاقاً للعدالة. لكنه الفشل حتى في إدارة أهدافنا الكروية!
إن خلاصة القول فيما يحدث هو أنه حين يُترك للعميان مهمة قيادة القاطرة.. فإننا لا نتوقع غير انقلاب العربات وخروجها عن المسار.. فماذا يحدث إذن حين يهلل الناس ويصفق لهؤلاء العميان ويركبون في قاطرتهم؟ تريد الإجابة؟ إليك ما يحدث الآن في مصر والجزائر.














