السبت، نوفمبر 21، 2009

حين يقود العميان القاطرة .. تقع المصائب


إن المشهد الهزلي كان أقرب ما يكون إلى أطفال "الحضانة" الذين يخرج الواحد منهم صارخاً: يا أستاذ فلان ضربني.. ليقول الآخر: والله يا أستاذ هوا اللي شتمني الأول، فيرد الأول: بس هوا اللي كان بيتريق على الكراسة بتاعتي.. فيحاول الثاني الرد، وهنا يفيض بالأستاذ مللاً وينهرهما ويطلب منهما الجلوس، أو يعاقبهما كيفما اتفق. لكنهما في "الفسحة" يعودان إلى لكم وضرب بعضهما البعض ويظهر لكل منهما أنصار .. ثم تنتهي باقتسام الخدوش والسحجات وعودة كل منهما إلى "أمه" لتربيه.

كان الواقع برغم قبحه وعوره يذكرني بذلك المشهد حتى صافرة انتهاء "أم المعارك" بالسودان، حين تحول الهزل إلى كابوس حقيقي.. لم تكن "الأم" في الطرفين على درجة كافية من المسؤولية والعقل، وتفرجت الحارة بأسرها عليهما وكل طفل يسحب أمه من يدها لكي تكمل وصلة الردح، والتلاسن مع توعد بسواد الليل وظلامه وتقاطع كل منهما جارتها.

سوف يرى الكثيرون الحماقة في السباحة ضد التيار فيما هو واقع الآن من مصائب بين مصر والجزائر، أعرف شخصياً مثقفين كبار متأففين مما حدث، لكنهم يفضلون التروي بعض الوقت على الكتابة أو التصريح بأي تعليقات قد تجعلهم كمن دخل حجر الثعابين بقدميه. وسوف يكون أصحاب أي محاولات للفهم والتفسير عرضة للاتهام والتجريح، أما هؤلاء الذين سيحاولون الصلح والتقريب، فأشفق على مصيرهم.. وكان الله في عونهم!

أشعر بكثير من التقزز والقرف والإشمئزاز من "وصلات الردح" التليفزيوني والصحفي المتبادل بين المصريين والجزائريين بمباركة رسمية. وأحيانا تنتابني موجات من الضحك الأسود تنتهي بشعور إحباط واكتئاب عارم مما كنت أظن فيهم بعض العقل وإذ بهم حفارو قبور.

لقد نجحت تلك الحملات – وربما لأول مرة في التاريخ العربي – في شحن الرأي العام (وليس جماهير الكرة فقط) بأطنان من الكراهية والحقد الأسود ربما تكون حية وشياجة في النفوس بأكثر مما يعتمل ضد أعدائنا الحقيقين ومستعمرينا الجدد والقدامى. وللأسف النار لن تطال فقط من أشعلوها.. وهاهي الحرائق تتسع.

إن ردود الأفعال المسكونة بالحقد والكراهية ليست سوى أعراضاً لأمراض استوطنت الشارع والنخبة على حد سواء فحدث ماحدث.. وفي خضم الطيش الإعلامي المتبادل ضاعت أصوات العقلاء ومحاولات التهدئة ووضع الأمر في مقامه.. لذلك أرى من الواجب التذكير بكبائر الأمور، والبعد عن الخوض في التفاصيل، بعض تلك الكبائر معروفة للجميع وإن نسيها البعض، وثمة كبائر أخرى تحتاج بعض التدقيق.

أولا: إن السبب الرئيسي في كل هذا الشحن وراء مباراة كرة، هو اتساع رقعة الحرام السياسي، وخلو البلدين من أي مساحة للفعل السياسي الحقيقي والقنوات السلمية للتعبير عن الانتماء السياسي، أضف إلى ذلك خلو البلاد من أي مشروعات قومية عملاقة تلتف حولها الجماهير، بالإضافة إلى حالة من الوطنية الشكلية أو حتى الحقيقية تشجعها وسائل الإعلام والنظام الرسمي يجعل من الاستاد ملعباً للسياسة، ومن المرمى صندوقاً للاقتراع، ومن جماهير الكرة ناخبين سياسيين. هذه الحالة المغلوطة إذ تنبأ أن جذوة الإحساس الوطني مازال كامناً في نفوس الناس، برغم القهر والكبت والاستبداد، إلا أن التعبير عنها يظهر في المكان الغلط، وبالطريقة الغلط بتشجيع ومباركة رسمية.
بمعنى آخر إن الأمر يشبه جزئيات الماء المغلي التي لن تفكر كثيراً في أي قناة ستعبر طالما أنك سمحت لها بالمرور.

ثانيا: إن جنون الكرة أو Football mania موجود في العالم بأسره، والدول المتقدمة أسبق في ظهور ذلك الجنون بحكم أن اللعبة ظهرت فيها وتطورت عند شعوبها أولا، لكن الفرق بين الدول المتقدمة والمتخلفة، أن الأولى تعرف أن التنافس مكانه الملعب، ولا تتأثر العلاقات التاريخية والاقتصادية والسياسية بين البلدين بنتيجة تلك التسعين دقيقة.. وحتى في حال خروج بعض الأحداث عن إطار الملعب وامتدادها لتنال من الأخلاق والقانون، فإن ذلك ينطبق على فئة محدودة من متعصبي الجمهورين ولا يتأثر به عامة الناس ولا يتحول الموضوع إلى مباراة أخرى في الشحن والكراهية والحقد بين شعبي البلدين.

وهاهو – لسخرية القدر – مثال حي على ذلك، وقع في نفس اليوم تقريباً في مباراة مماثلة بين فرنسا وأيرلندا، حيث لمس المهاجم الفرنسي تيري هنري الكرة بيده عمداً ومررها للاعب آخر أحرز منها هدف فرنسا الذي أهلها لكأس العالم.. صحيح كانت هناك بعض أجواء التشاحن ومطالبات بإعادة المباراة، لكن المدهش أن تيري هنري قال بنفسه إن إعادة المباراة حل عادل، بينما اعترف مدرب منتخب أيرلندا أن إعادة المباراة مستحيلة بسبب فهمه لقوانين الفيفا التي لم تنص على إعادة مباراة بسبب خطأ تحكيمي. أين ذلك مما يحدث بين مصر والجزائر؟

وقد تحدث الكاتب الكبير سلامة أحمد سلامة عن مثل ذلك في مقال له قبل المباراة بعنوان "حروب كروية" بجريدة الشروق المصرية.
أما الدكتور عمرو الشوبكي فيذكرنا بـ "ما جرى للمشجعين الإيطاليين على يد بعض المشجعين البريطانيين المتعصبين منذ أكثر من ١٠ سنوات، حين سقط ما يقرب من ١٥ قتيلا (على ما أتذكر) من الجانب الإيطالى فى قلب الاستاد، وشعرت بريطانيا بالعار والخجل من هؤلاء، ولم يقم الإيطاليون بالانتقام من البريطانيين فى شوارع روما."

ثالثا: لا أميل إلى نظريات المؤامرة وأفضل عنها نظريات التوظيف، وأرى إن النظام الرسمي الحاكم في البلدين قد وظف بخبث شديد مايحدث لصالحه ولصالح جني التأييد لنفسه على حساب كل القيم والروابط.. وقد اتضح ذلك في مساندة رسمية من رأسي البلدين وزيارات للاعبين، في حين لم نر كل هذا التأييد والتواصل الرسمي في الكوارث والملمات الكبرى على نفس ذلك المستوى من الاقتراب من الناس والحدث.

كما اتضح أيضاً في "ركوب الموجة" وإبداء النية في توفير كل سبل النقل والإقامة للمشجعين للذهاب إلى السودان، الأمر الذي ساهم في "تسييس" المباراة، وتحميلها أعباءًا سياسية لم تكن بالحسبان.

وإن كان الكاتب نبيل شبيب يرى أنه من حق البعض أن يتكهن حول دوافع "انزلاق أقلام معروفة، ووسائل إعلام رسمية وشبه رسمية، وألسنة مسئولين "كبار" إلى تأجيج فتنة جديدة، فمن الطبيعي أن تنتشر التكهنات انطلاقا من السؤال: ما هو الدافع الحقيقي؟ هل هو انتصار للكرة وأهلها والشبيبة وحماستها، أم هو إسهام مقصود في نشر الفوضى الهدامة لتمرير مخططات دولية خطيرة؟".

وفي مقاله الدرامي تطرق الدكتور علاء الأسواني في مقاله "حكاية نورا والمنتخب الوطني" إلى تلك المفارقة، من خلال قصة مواطنة مصرية "تشحطط" بها زوجها على أبواب المستشفيات الحكومية التي أهملت رعايتها حتى فارقت الحياة.. في حين يُصّر البعض على أن الاهتمام بالكرة يعود إلى كونها هي ما يفرح الناس، وكأن توفير الغذاء والكساء والدواء للناس لن يفرحهم .. ولكنها حجة البليد كما يقولون!

وفي المقابل فإن الجماهير الجزائرية التي ضللها الإعلام حول سقوط قتلى جزائريين في مصر لم يحركوا ساكناً إزاء أخبار مؤكدة بسقوط 18 قتيل وعشرات الجرحى في حوادث سير بسبب الاحتفالات بالتأهل للمونديال.

رابعا: إن مصر الرسمية وحواشيها من النخبة المحسوبة على الثقافة، مازالت كل يوم تفقد من رصيدها ومكانتها كأم وشقيقة كبرى للعرب، بدأ ذلك منذ معاهدة كامب ديفيد في السبعينات وتصاعد مع اشتراك مصر في حرب الخليج الأولى، ومؤخراً في موقفها السلبي – على أقل تقدير – إزاء العدوان على غزة، ثم أخيراً اتساع نعرات "كفاية كدا".. ليس كفاية للاستبداد ولا كفاية للقهر ولا كفاية للتخلف والأمية والجهل.. وإنما كفاية لدور قائد تنويري لعبته مصر طويلا وظلت تحصد ثماره المعنوية والمادية على مدى عقود.

إن استخدام أساليب المنّ وتعديد المحاسن ليس من شيم الكبار، والكبير كبير بأفعاله وتصرفاته ومواقفه، وليس بتاريخه فقط، وقد هالني أسلوب المنّ والقدح الذي ساد الإعلام المصري حتى من قبل مباراة القاهرة، ولسخرية القدر فإن أغلب الذي شاركوا في حملات المزايدة والمنّ هم أولئك الذين لعنوا سلسفيل عبد الناصر، واختاروا "السلام" خياراً استراتيجياً يأكلونه غداءً وعشاءً..

وكم سجلت الأيام كباراً استحالوا صغاراً والعكس في حركة الأمم. صحيح أن مصر مازلت بها مقومات النهضة والقيادة وأسباب النجاح، لكن القيادة السياسية عطلت تلك الأسباب وأصبح شعار الانكفاء على الذات بحجة أو بأخرى هو السائد. وليت ذلك تم في مقابل تنمية حقيقية اقتصادية أو سياسية، كما كانت الأقلام تبرر أحياناً، وإنما ما نلمسه يومياً هو لا تنمية ولا اقتصاد ولا سياسة.

الكبير كبير بأفعاله، ولو كانت مصر تريد أن تظل رائدة في مواقفها حقاً لاختارت التهدئة والتعالي على الصغائر واحتضان شقيقتها الجزائر مهما بدر من صحف مارقة أو أطراف متعصبة.. وكان من شأن فعل من هذا القبيل أن يوأد الفتنة في مهدها، ويقوي اللحمة بين الشقيقين.. إما أن تنفض يدك وتعترف بذلك بشجاعة، وتفعل ما يحلو لك منتظراً حكم التاريخ عليك، وإما أن تلتزم بما يقتضيه وصف "الشقيقة الكبرى" من مواقف.

هل لي أن أتساءل بدون براءة مقصد: لماذا لم نسمع صوت السيد علاء مبارك بنفس الحرقة والقوة والانفعال على الفضائيات حينما وقع بأهلنا في غزة ما وقع من مجازر وثقها تقرير غربي محايد؟!

ألم يلاحظ المصريون أن الإساءة لبلادهم لم تأت عن طريق بعض الجزائريين فقط ولكن استغل الحدث مواطنين من جنسيات عربية أخرى؟ لماذا تفقد مصر وشائجها مع العرب بهذه السرعة، ألا يستدعي ذلك وقفة مع النفس؟ كثيرون طرحوا تساؤلات مشابهة ومنهم الزميل أحمد مهنا في مقاله المهم "كثير من الرؤى قليل من الوضوح"

لقد واتت الشجاعة قليل من الكتاب منهم الباحث والمفكر المصري د. عمرو الشوبكي لكي يعترف بأن: "الإعلام الرياضى المصرى قد تفوق فى الجولة الأولى السابقة على مباراة القاهرة على نظيره الجزائرى حين قدم «فرسان الجهل» ومندوبو بيزنس الكراهية من مقدمى البرامج الرياضية من لاعبى الكرة حملة كراهية وعداء غير مسبوقة، أهانوا فيها منافسهم بطريقة لزجة وتعاملوا معه باستعلاء وتحدثوا عن ريادة مصرية غائبة تستفز عقلاء المصريين فما بالك بمجتمع صعب المراس مثل الجزائريين".

أما آخرون فقد تراجعوا عن حملاتهم التي قادوها للتهدئة إزاء خوفهم على "البيزنس" تارة، أو اتساقاً مع المزاج العام والرسمي تارة أخرى. ولم يلتفت الإعلام للأسف لمبادرة مثقفين جزائريين للتبرأ من دنائة ما كتب في الإعلام الجزائري.. فالمهم هو "ركوب الموجة".. وقرع طبول الحرب!

سيقول البعض، ولماذا لم تبادر سلطات الجزائر للتهدئة؟ وهؤلاء معهم حق، لكن الكبير مسؤوليته أكبر. لكن الصغير والكبير سقطا في الامتحان.

خامساً: لم تتجافَ الأصوات النكرة فقط مع الأخوة والعروبة والإنسانية، ولكنها تتنافى حتى مع ذكاء الدبلوماسية ولغة المصالح المشتركة، لقد كان من نتاج المزاج الرسمي الحاد أن فاقم المخاطر التي حاقت برعايا كلتا الدولتين على أرض الأخرى.. وانظروا ماحل بشركات المصريين التي كانت مصدر رزق للكثيرين بالجزائر، وما حل بالطلبة الجزائريين بالقاهرة من رعب بعد " أم المعارك"! وهناك حديث عن إن الاستثمار المصري في الجزائر بالمليارات، ويفوق استثمارات دول أجنبية كبرى، فهل يمكن الحديث هنا عن مصالح لجهات أجنبية في تخريب العلاقات الاقتصادية بين البلدين؟؟ من سيسد الفراغ الذي سيخلفه رحيل الاستثمارات والعمالة المصرية؟

سادساً: إنني أرى ضرورة تشكيل لجان محايدة للتحقيق في التجاوزات التي وقعت في كل من السودان ومصر، ولكني لا أتفق مع الرأي القائل بتقديم لجنة التحقيق على المصالحة والاعتذار.. وقد ناصر أستاذنا فهمي هويدي هذا الرأي في مقاله بالشروق يوم السبت (إن لم أخطأ فهمه) ولكني أرى أن هذا الرأي أشبه ما يكون بوضع العربة أمام الحصان.. لأن الأنظمة الرسمية هي المنوط بها تشكيل لجان للتحقيق، والأنظمة الرسمية كما شاهدنا جميعا سعيدة وربما مشجعة لما يحدث، ومنكفئة على ذاتها ومشغولة بهواجسها الخاصة في حسابات بقائها في السلطة.. ولا يمكن أن يعطل الشعبان المصري والجزائري مصالحهما وتاريخهما المشترك من أجل تلك اللجان..
نعم إن ما وقع من أحداث يستلزم لجان تحقيق محايدة، يقدم بموجبها كل مخطئ كما قال الأستاذ فهمي هويدي في مقاله إلى المحاكمة، أو الحساب.. لكن لايجب أن ينتظر العقلاء في الشعبين طويلاً إزاء تلك الخطوة، ولا يجب أن يعولوا كثيراً على الأنظمة الرسمية التي خذلتهم طويلاً.

وأرى أن الأنسب في إعادة الحقوق هو أن يتقدم أي من وقع عليه ضرر مادي إلى القضاء، مثلما أدان القضاء المصري منذ عقدين اللاعب الجزائري البلومي حين رفع مواطن مصري قضية بسبب فقأ اللاعب لعينه بعد المباراة، وقد ظل البلومي شبه حبيساً في وطنه 19 عاماً بسبب وضعه على قائمة الإنتربول الدولي حتى تنازل المواطن المصري عن القضية.

يعضد من الرأي السابق، كون أن الانتهاكات والتجاوزات وقعت من جمهوري وإعلاميي البلدين على مدار "المعركة الكروية"، وإذ كان العقلاء لن يسيروا في ركاب الإعلام في "ملأكة الذات وشيطنة الآخر"، فإننا إذن بصدد اعتراف متبادل بوقوع تجاوزات مسيئة للرياضة والكرة قبل الأخوة والعروبة.. وبالتالي فإن الدخول في خصام بشأن "حجم" تلك الانتهاكات لا يعد مفهوماً بعد أن سلمنا بوقوعها، والأجدر أن يعتذر عنها الطرفان دون انتظار لجان التحقيق وغيرها من الإجراءات الرسمية التي نحلم بها ولن تتم.

بعبارة أخرى فإن وظيفة تلك اللجان لن تكون إثبات وقوع انتهاكات من الطرفين بقدر ما هي مطلوبة للوقوف على حجم وحقيقة تلك الانتهاكات ونوعيتها ومرتكبيها.. وهي التفاصيل المهمة بخصوص عودة الحقوق الفردية لمن وقع عليهم الأذى، لكنها أقل أهمية في سياق الحديث عن مصالحة بين الشعبين وإصلاح ما أفسدته السياسة والإعلام وسفهاء الجماهير في الجانبين.

سابعاً: إن ضياع صوتي عالمين لهما جمهورهما العريض في البلدين، وهما الشيخ القرضاوي والشيخ عباس مدني، في محاولة للتهدئة قبل المباراة، إنما تكشف عن أمرين متشابكين كوجهي العملة،وهما: صعود التدين بنوعيه "الطقوسي" و"السياسي" على حساب التدين الحقيقي.. وثانيهما: طبيعة جمهور المشايخ الذين لم ينجحوا في مخاطبة العامة اللهم إلا في مسائل جزئية تتعلق بالفقه والفتاوى الشخصية، في حين أن صوتهم خارج هذا الإطار لم يكن مسموعاً أو مطاعاً.

صحيح أن أجواء الصخب الإعلامي والمزاج الرسمي كانت تحجب أصوات العقل، لكن هذا وحده ليس كافيا في تفسير عجز الوازع الديني الذي يتشدق به الجميع بمناسبة وبدون.
وهي تعكس أيضاً غياب غير بريء للمؤسسة الدينية الرسمية في البلدين التي لم تقم بما هو واجب منها في مثل تلك الفتنة السوداء.. وهو غياب يُفسر ويفسِر التوظيف السياسي للحدث.

أخيراً، إن جاز لي أن أبدي رأياً فنياً فإني أقول إنه بدلاً من تطاول المصريين على الجزائريين والعكس بالعكس، كان ممن الممكن أن تقود البلدان حملة دبلوماسية وكروية في الأروقة المعنية والفيفا لزيادة حصة قارة أفريقيا من المنتخبات في كأس العالم.. ففي حين تحظى الملاعب الأوروبية الآن بجماهيرية عارمة بسبب اللاعبين الأفارقة، كما تزخر المنتخبات الأوروبية والأمريكية باللاعبين ذوي المهارات العالية من أصول أفريقية (لاحظ كم لاعب أسود في أي منتخب أوروبي) لا تملك أفريقيا سوى خمسة مقاعد فقط في المونديال العالمي.
وكانت لحد عقدين تقريبا لا تملك سوى مقعدين، لكن ارتفاع مستوى الكرة الأفريقية وظهور لاعبيين على مستوى عالمي أدى إلى زيادة حصة أفريقيا..

إن منتخبات كبيرة عريقة مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا تعاني أحيانا من صعوبة التأهل لكأس العالم برغم أن أوروبا مثلاً تمتلك 13 مقعداً في كأس العالم وهي أصغر قارة في العالم.. فلماذا لا يقود العرب الأفارقة حملة دبلوماسية لزيادة مقاعدهم إحقاقاً للعدالة. لكنه الفشل حتى في إدارة أهدافنا الكروية!

إن خلاصة القول فيما يحدث هو أنه حين يُترك للعميان مهمة قيادة القاطرة.. فإننا لا نتوقع غير انقلاب العربات وخروجها عن المسار.. فماذا يحدث إذن حين يهلل الناس ويصفق لهؤلاء العميان ويركبون في قاطرتهم؟ تريد الإجابة؟ إليك ما يحدث الآن في مصر والجزائر.

السبت، أغسطس 29، 2009

لا شيء سوى أنت


تتغير بسرعة .. وتدرك الموجودات بحركة تكون أنت مركزها.. والمركز في الفلسفة هو الثابت.. لكن الموجودات تدور وأنت الذي تتغير .. وضع استثنائي يجعل منك مركزاً ترى من انعكاس الضوء الذي تلقيه على الأشياء خطوات تغيرك..
وتعود الموجودات وتذهب وتأتي لترى فيها من المعاني مالم تلمحه من قبل.. وتزدري ما كنت تقدس وتقدس ما كنت تزدري .. وفي سرك يزداد إعجابك بعقلك الفذ .. ويتعاظم شعورك بالنضج السابق لآوانه ..

وتشعر بالشيخوخة تزحف على مدركاتك ولا تدري إن كان ذلك من فضلك على الأشياء أم من فضل الأشياء عليك..
وتجيء اللحظة التي تركل فيها كل ذاك، وتشتاق لساعة براءة، وضحكة سذاجة .. يبتسم لها الجميع وكأنك قمت بالمعجزات .. ويتسابقون في نيل رضاك .. وكأن حيازتهم حبك هو صك الغفران.

ويجيء رمضان فتشعر بالنفور من جلسات البكاء الجماعي، وممارسات الهبل الديني، والمعجزات التي لم يقصد الله أن يودعها صومه لكن بعضاً من "عباده" مصمم على أن يلصقها بالصوم، وزعيق الناسكين، ولهيب كلماتهم الرخيصة كخشب رديء تأكله النار في سرعة وتنطفأ.

وشيئاً فشيئاً يدفعك النفور إلى الابتعاد عن ذلك الجو، والانعزال بعيداً للمراقبة.. وتكتفي بالمراقبة لترى بعد بعض الوقت إن كل شيء هراء، وأن النفاق هو الأصل في الأشياء، وأن دعاء الغوغاء يذهب هباء.. والخير الذي تباكوا من أجله ركلوه بأقدامهم عند أول مواجهة "تحتم" فيها ذلك.

وترى ذلك في أعينهم لكنهم لا ينطقون به، ويضحكون في سرهم من دهشتك وسذاجتك واستمرارك في البحث عن إجابة وهي الواضحة كالشمس..
لكنك مازلت صغيراً، ولا ترغب في تصديق الأشياء بغير ما انطبعت عليه في ذهنك، وتساءل الرب أن يحميك ويحفظك من وساوس الشيطان، من الإنس والجان..

وتستمر "الدعوات" وبحذائها تستمر "الركلات"، سواءً تلك التي تتلقاها الدعوات لتصعد للسماء، أو تلك التي تتلقاها بعد قليل ذات الدعوات لكي تنسحق تحت الأقدام في سباقها المحموم نحو الرغبات الحقيقية التي – للأسف – لم تواتِ الإمام الشجاعة الكافية للصدح بها أمام الجموع التي سال الزبد من شدقيها اشتياقاً. وأخيراً نوع مؤلم من الركلات التي يتلقاها وعيك لتفيق أخيراً على الحقيقة.. ولكل شيء ثمن!

وتستمع من بعيد إلى صوت من بحت أصواتهم في شجب مظاهر "التدين السطحي"، و"التطرف الزاحف"، لكن أصواتهم هذه المرة تشدو برمضان جانا.. وتقطر بالتقوى والإيمان.. وتعود تلك الألحان عليك بالانتشاء .. ها أنا أخيراً قد أدركت الحقيقة التي كابر الجميع الاعتراف بها..
ثم تخبط جبهتك براحتك.. آآآخ، أي غباء؟ النفاق هو أصل الأشياء يا صديقي.. عند الأولين من الغوغاء والعامة، وعند الآخرين من "العلمانيين المتصوفة".. وليس أي منهما طريقك إلى الرب.
وتقرر الاعتزال، وتذهب الأيام وتعود، وتعود وتذهب.. وأنت منفاك ومنفاك أنت.

ويجيئك رمضان في معتزلك، يطرق أبواب منفاك المعنوي، فتغلق الأبواب، وتحكم النوافذ.. وتتسربل في سواد معرفتك، حتى تحمي أنفك نتن النفاق، وعفن الغباء، وبارود الكلمات الحارقة.

وتمر الأيام.. وبرغم كل شيء، تشعر بنفحاته تنساب من نوافذ محبسك لتداعب قسماتك.. كنسمات رقيقة في ليل صيف قائظ، وتهز مصراعي بابك في رفق.. وكأنها حبيبتك جاءت تروم اللقاء في خجل.. وتقوم في تردد لتفتح نوافذك التي أغلقتها طويلاً حتى لا تسمع شيئا مما عرفت حقيقته.

وتدفعك رائحة ما سيريالية إلى فتح المزيد من النافذة، ويسحرك العبق الذي يتسلل عبر ثقوب وجدانك الذي ظننته صار مصمتاً.. وتمد ذراعيك عن آخرهما لعلك ممسكه! وتشعر وكأن الله في هذا العبق. وكأنه لم يتلوث بعرق البشر، ولم يخالطه شيئاً من نفاق الخلق.. وكأنه يخاطبك أنت ويقول: قم ولا تحزن فأنت على حق.. ومثلك أريد..
وتمسك الماء في يديك وتغسل به صدرك العاري وكأنه غسلك الأول.. الذي خلصك من قذارات أحاطت بك في رحم أمك طويلاً..

وتنسى الموجودات.. وتخال نفسك في الصحراء.. أنت والرب وحدكما ولاشيء سواكما.. فتدعو دعائك أنت.. وتصلي صلاتك أنت.. وتقول كلماتك أنت.. وترجو رجاءك أنت.. وتنظر للسماء فترى رجع ابتساماتك في النجوم.. وكأن ثغورها أبوباً مفتحة على الحقيقة.. وتعود في طريقك، فلا عواء إمام.. ولا نحيب منافقين.. ولا خرافات متصوفين.. لا شيء سوى أنت.. لا شيء سوى أنت.. ودعائي أن نكون معاً.

الأربعاء، يوليو 29، 2009

الربُ دُميتنا


شاهدتُ هذا الفيلمَ من قبل..
نصيبْ!
وكنُت البطلْ..
نصيبْ!
وكانت نهايته حزينة..
نصيبْ!
*****
***
وحين عُرض عليّ فيلم مماثل
قبِلْت..
نصيبْ!
وكُنت البطل!
نصيبْ!
وعند النهاية..
مصمص الجمهور الشفاه
وذرفت بعضهن الدموع، وقلن:
نصيب!
*****
***
وثانية.. عُرض عليّ فيلم مشابه!
وهذه المرة..
خيّل إليّ الاعتراض
لكن اعتراضي أوقفه شهيق!
ليسعد ربُ النصيب!
..كافر!
..مهرطق!
..زنديق!
أقيموا عليه الحد!
حتى يؤمن بالنصيب!
*****
***
وهكذا ببساطة.. قبلت!
نصيبْ!
وكنت البطل
نصيبْ!
وكانت نهايته حزينة!
نصيبْ!
*****
***
وفي المرة التي لا أعرف عددها..
كان الربُ قد سئِم الفيلم
(خذ بالك.. أيضاً نصيب)
وقلت:
تلك فرصتي في الخلاص!
ومن فوري:
أبديت رغبتي في النقاش..
ودهست آهاتي
وطرحت مبرراتي
وأزجيتها بتعاطف اللهِ
*****
***
وكأروع نقاش..
صنعت بإزميل كلماتي..
أضخم ابتسامة
على وجوهم..
تملأها الصرامة..
ليجيب أكثرهم فطانة:
الرب نعرف ما يسعده..
لكن كل شيء قسمة ونصيب!

الاثنين، أبريل 06، 2009

قليلٌ من البرد ينفع!


الحضنُ الدافئ يفقدني
والبحرُ الهائج يرمقني
يقذفُ موجاً ..
يلسعني ..

وأنا أبسُم وأحملق
يمر شريطاً..
وأحملق
يمر سريعاً
وأقطبْ
لا في الجرف ولكن ..
في الماضي
أبحر وأجدفْ
*****
***

وأسمع صوتاً بجواري
لا بل منبعثاً
من أحلامي
متسربْ

صوت ناعس داعبني
كالقمر طلع يراودني
أن مُد كفاً ..
واملكني!

ويرنو الحالُم بيديه..
والصوت في كلتا أذنيه..
(جسدي غض وجميلْ
بنتوءاتٍ وتفاصيلْ
تعالَ إليّ..
تعالَ إليّ..
وبغمزة خبثٌ (يستطردْ):
لم أستر بالتوت عُريّ
تعالَ إليّ..)
*****
***
وأمُد يدَيّ..
...
وبقذفة موجٍ..
البحر الهائج يوقظني..
يرسل موجاً ..
يلسعني ..

كالطفل يبرز لسانهْ
ليغيظ من أمامهْ
(نان نانا ناناه)..

وتفلتُ مني دمعهْ
البحر خدع جَمْعهْ
والقمر في عُليّ
ماملكت شمعة!
*****
***

وأعود بيدي لشِقيّ
والحزن أطرق عينيّ..
أأعود للحضن الدافئ؟
يا أبله مالك أنت؟!
تضحى أنت أنت..
وتمسي لهُم أنت!


اترك دفء الحضن..
فسفينته ما عادت ترضيك..
يكفي أنْ
قد أرستك على شاطئ..
والدفء الدائم يلهيك
فتنسى فيزياء النفس

لا تخش البرد يوماً..
يصبح للحلم ملمس.

الاثنين، فبراير 16، 2009

حفلة منير.. ملامح جيل بين رقصات الوطنية والحشيش

بعض من الجمهور الذي وقف عند مدخل الحفل يتحين فرصة للدخول

"التيكت بخمسين جنيه، وقوف، والحفلة الساعة عشرة" .. بطريقة ميكانيكية قالها موظف الأوبرا دون أن يرفع وجهه إليّ، أخرجت 150 جنيها وقطعت 3 تذاكر لي وصديقين..
لست من هواة الحفلات، لكني رغبت في تجريب "شيء جديد"، وشجعني صديقي .. خاصة أننا نشترك في عشق منير.. وقررنا حضور
حفلة عيد الحب.
--- فاصل---
"أنا بشكر المصرية للاتصالات أنها رعت هذا الحفل في الوقت اللي كل الرعاة مشيوا بسبب الأزمة الاقتصادية".. هكذا قال منير في وسط الحفل .. لكن لا أعرف إذا كانت تلك الأزمة الاقتصادية تستدعي رفع سعر التذكرة من 35 إلى 50 جنيها لأول مرة؟؟ لكن برغم ذلك يظل الفنان الوحيد تقريباً الذي يقدم تذاكر موحدة مخفضة لجمهوره بهذا السعر..
--- ---
عندما وصلت إلى جراج الأوبرا (مكان الحفل) أدهشني عدد الضباط والعساكر المتواجدين، وحرصهم التأكد من التيكت عدة مرات.. ذاك الحرص الذي لم يكن أكثر من قشرة سطحية كما ستعرف بعد عدة أسطر!
بعد الدخول تذكرت أني تركت الكاميرا في السيارة فعدت لأخذها..
"إيه دا رايح فين؟ الكاميرا ممنوعة!" أوقفتني الجملة على باب الحفل، نظرت للضابط في دهشة وقلت له ممنوعة ليه؟ قال: ممنوعة! فتراجعت في خيبة أمل وذهبت لأترك الكاميرا في السيارة..
عندما عدت خضت للتدقيق ثانية لكن يبدو أن ذلك التدقيق لم يحرم البعض متعتهم المتمثلة في تدخين الحشيش الذي فوجئت برائحته حينما وقفت بجوار بضع عشرات من الشباب الذين حضروا مبكرا مثلنا للوقوف بالقرب من المسرح Stage.
الأمن ترك الجميع في النهاية يدخلون بدون تذاكر
مازال متبقيا على معاد الحفل ساعتين ونصف، ومع مرور الوقت كان العدد يتزايد بإطراد. تسليت بإلإنصات لحديث الشباب من حولي، وكان أغلبه يتعلق بالفن أو الكرة فقط.
كان
صديقي محمود يحكي عن تعرض شقة جاره – البهائي الديانة – للسرقة، ويبدو أن كلمة "بهائي الديانة" ارتطمت بأذن أحدهم الذي نظر إلينا في رعب ودهشة وقال: هوا إيه البهائية دي؟ حاولت أن أشرح له، وقلت له إن الداخلية تمنعهم الحق في كتابة ديانتهم في البطاقة.. ولم يخيب الشاب ظني إذ لم يتأخر تعليقه الأحمق الذي سيصدر من أي مصري: .. أبوهم!! هوا كل واحد يصحى من النوم يخترع دين جديد!
وكأن المشكلة في الدين "الجديد" وليس في المجتمع الذي يضيق بالاعتراف بأي "آخر".
لكن يبدو أن الدين "القديم" لم يصلهم أنه يحرم الحشيش (وربما مخدرات أخرى لأني لا أميز بين روائحها)، إذ استمرت الرائحة في التصاعد بين آونة وأخرى.

--- فاصل ---
من حين لآخر تتصاعد صيحات "شلة" من الشباب تسب تامر حسني.. في حين يقول أحدهم: "يا جماعة حرام تشتموه إنتو كدا بتعملوا منه حاجة هوا أقل من إنه يتشتم".
في حين قال منير حينما كان مع تامر على خشبة المسرح في حفلة سابقة "دي مشكلة جيل مش مشكلة تامر" معلقاً على تهرب تامر من التجنيد.
أفهم ما يقوله منير، وأفهم كذلك أن تامر لا يجب أن يقارن بمنير لأن في ذلك ظلم للاثنين بسبب فارق الحجم والتاريخ، لكني لا أفهم أن يستمر السباب البذيء بدون أي مناسبة، ووسط وجود عدد من الأطفال والفتيات.. هذا إذا اعتبرنا أن السباب لايؤذي بقية الشباب!
--- ---

ولا مانع من تسلق الأشجار أيضا لمشاهدة الحفل!

عندما بلغت الساعة العاشرة كان المكان الذي يتسع لنحو 10 آلاف كرسي قد اكتظ بنحو 60 ألفاً حسب وكالة الأنباء الفرنسية. كانت بعض المجموعات تنتابها حماسة مفاجأة – بفعل الحشيش فيما يبدو – فتبدأ في التدافع.. شعرت بالرعب من الموقف الذي أتعرض له أول مرة، بالإضافة لشعور – حقيقي أو هستيري بفعل تكويني الهش – بالاختناق..
أخبرت صديقي محمود أنني سأبتعد قليلا عن مكان التدافع.. حتى وجدت متنفساً على بعض أمتار قليلة..
في الساعة الحادية عشر وبضع دقائق – كعادته – صعد منير إلى المسرح وسط تهليل الحضور.. لكن ذلك لم يهدأ من جنون البعض الذي استأنف نوبات الصرع التدافعية، شعرت بالاختناق مجدداً فقررت الابتعاد أكثر..
انتهى بي الأمر إلى الخروج من السوار المحيط بالحفل كاملاً، إذ اكتشفت أن المكان كله مليء بأمواج البشر بذات الكثافة، وليس في الأمام فقط، حيث لم أكن تخيلت بعد العدد، لأنني كنت في الصفوف الأمامية ولم يكن لدي علم بما يجري خلفي!

في النهاية أحدث الجمهور فرجات للدخول في سور الحفل

في الكافتريا حيث ذهبت لالتقاط أنفاسي وشرب شيء دافئ، كان أحد المسؤولين بالأوبرا الذين رأيتهم على البوابة قد جاء متصببا عرقا يطلب شيئاْ مثلجاً .. ويبدو أن الإنهاك قد فك لسانه، فأخذ يلعن ويسب في الحفل وقال بالحرف: "المشكلة إن هناك 8 أو 9 منافذ، وهذه المنافذ مسيطر عليها الأمن، وكل واحد بيدخل قرايبه وقرايب قرايبه ومعارفه"..
قلت له في غيظ: أنا دافع تذكرة ومع ذلك خرجت لأني حسيت إني هتخنق!
قال: إنتا كنت هتموت مش تتخنق بس!
قلت: يعني في الآخر دخلتوا الناس من غير تذاكر!
قال: هنعمل إيه بس؟ العدد كبير وكل واحد جاي مع صحابه واخواته .. الخ.
في تلك الأثناء كان منير يقول من أعلى خشبة المسرح: "أنا معاكم للصبح.. أنا مبسوط بالعدد بصراحة!"..

--- فاصل ---
حينما كنت بالداخل وقبل حضور منير، كان بعض الشباب النوبيين يغنون أغاني منير بحماسة شديدة، بينما تتعالى صيحاتهم من وقت لآخر "الصحافة فين.. النوبيين أهم".. بينما ينظر إليهم من حولهم من أصحاب البشرة الفاتحة بكراهية شديدة!
بعد قليل سمعت أشد الشباب النوبيين حماسة في الرقص يقول عبر الهاتف: "أيوة يابني.. حاول تدخل، أنا دخلت جري من غير تيكيت!" وبعد عدة دقائق كان أصدقاء ذاك الفتى يبحثون له عن "سيجارة ميريت" لأنه "دماغه عليت ومش راضي يشرب غيرها!!".
--- ---
في الخارج وبالقرب من سوار الحفل، وقفت مستمعا لمنير.. ومتفرجا في الوقت ذاته على عشرات الشباب الذين كانوا يدخلون عدواً من بوابة الأوبرا متجهين نحو الحفل..
حاولت أن أبحث عن شاشات العرض التي قرأت في الجرائد أنها ستكون موجودة، لكن لم أجد سوى الشاشة التي رأيتها في الداخل خلف المسرح.. لعنت في سري منظمي الحفل وتمنيت لهم "حرق الجتت".
قبل نهاية الحفل بنحو نصف ساعة فتحت الجماهير فرجات في سوار الحفل وترك الأمن الحبل على الغارب لم يريد أن يدخل من كل المنافذ..

داخل الحفل قرب نهايته.. الفرنسية قدرت عدد الجمهور بـ 60 ألفا ..

لا أعرف لماذا لم أستمتع بالحفل كما استمتع به آلاف غيري، ولماذا لا أكف عن الطرح السؤال: ماذا يعني كل ما سبق؟
عندما يغني منير يسكت الجميع، أو هكذا يبدو لي.. أنا أحترم مشوار الفنان محمد منير للغاية، وأظن أنه واحد من قلائل يعدون على إصبع اليد الواحدة يمكن أن يسموا (فنانين) أو (مطربين) خلال الثلاثة عقود الماضية.
عندما يغني منير – الذي تعرفت على أغانيه في سن كبيرة بسبب الغربة – تتذكر ملامح وطن، وتتذكر – كما يقول هو – واحد من محاربي الفن مثلما حارب جيله بالسلاح في 73.

لكن لا يمكن لي أن أفصل بين ماشاهدته من جمهور الحفل، وبين منير الفنان.
أعي مبدأيا أن الأمر أكبر من منير، وأن مشاكل الجيل هي أزمة وطن بأكمله، وطن تتحكم فيه أجهزة البوليس – حتى كما ظهر في التنظيم الفاشل الحفل – وأفسد كل حس ووعي.. وأؤكد أيضاً أن النماذج التي ذكرتها ليست هي كل جمهور منير، وكان هناك الكثير من الأسر والشباب المحترمين في الحفل.
لكن لا يمكن في النهاية أن أفهم المسألة بمعزل عن أزمة الفن و"الإنسان" "والفنان".
لماذا لم تغير "إيه يا بلاد ياغريبة عدوة ولا حبيبة" التي غناها منير منذ ربع قرن، وغناها في هذا الحفل، لم تغير شيئاً في نفوس مستمعيه.. بعد أكثر من ربع قرن؟ هل فقط لأن الدولة ظلت – أو ازدادت بوليسية – أم لأنه كفنان غير محسوب على السلطة لم يتخذ المواقف التي يمكن أن يتخذها شخص بحجمه ومكانته؟
وعندما يغني منير "عدى النهار" أمام جماهيره، التي كتبها الأبنودي وغناها عبد الحليم بعد نكسة 67 بينما لا يتخذ هو موقفاً سياسياً واضحاً من "النكسات" المتتالية التي تتعرض لها مصر الآن فماذا أستفيد سوى الاستمتاع بالأغنية ثم الاندماج في تروس النكبة؟
هل "قلب الوطن مجروح" لأنه محكوم بالحديد والنار والزواج الكاثوليكي بين السلطة والمال؟ ولو كان كذلك فلماذا يقول منير في
حديث صحفي سابق أنه فخور بالغناء أمام الرئيس مبارك؟

وفود بدأت تدخل عدواً بين حين وآخر من بوابة الأوبرا الخارجية

برغم اكتظاظ الحفل في الداخل وعدم وجود أماكن

برغم كل شيء يظل منير الأفضل.. وأحد معالم الأغنية الوطنية حديثاً .. لكن الوطنية التي رأيتها في الحفل ليست سوى كلمات يرقصون عليها.. سواء لأنهم مخدرون بفعل "الحشيش"، أو مغيبون بفعل عصى البوليس..
لست من أنصار اليوتوبيا ولا أؤمن بالنماذج الكاملة.. لكن ما أطلبه من الفنان ليس الكمال ولكن السعي نحوه.. كلمة منك إلى هؤلاء ستغير الكثير.. وحتى تقولها سأظل أتساءل:
ليه تسكت زمن يامنير؟
-----------------------------
ملاحظة: خلال البحث على الإنترنت
وجدت تجربة مماثلة كتبها أحد محبي منير في منتدى قلعة الكويت، تعليقا على حفلة العام الماضي.

الأحد، يناير 18، 2009

عندما تصبح أم الجامعات ملاذاً للرقص


(فيديو لطلبة يرقصون في جامعة القاهرة)! لو استخدمت العنوان السابق لاندرج تحت مدرسة صحافة "روزاليوسف" بامتياز، فهو عنوان ساخن موجه، يخاطب الرؤوس السفلية للجماهير، ولا يبحث عن أي معناً آخر سوى تحقيق المزيد من المشاهدات والقراءات، ويمكن أن تعتبره كذلك في حالتي أيضاً ولا مانع في سياق الهبل والعك الصحفي المنتشر اليومين دول في الصحف "القومية". هوا حُرم علينا ولا إيه؟!
لكني استسمحك عذراً إذا لم تجد فيما أكتبه فيما يلي ما يخاطب رأسك السفلية، بل ربما يصدع رأسك فيما لا طائل ورائه من وجهة نظر الكثيرين المعروفة مسبقاً.

في يوم 11 يناير 2009 أنهى طلبة بكالوريوس كلية طب قصر العيني آخر امتحاناتهم الشفهية والعملية، متوجين بذلك مارثون لعين ومستفز من الامتحانات اللا آدمية ابتدأ منذ 22 نوفمبر 2008، والألعن أنهم أنهو عامهم (الدوام) الدراسي في منتصف يوليو2008، وهم مضطرون مذ ذلك الحين للجلوس في المنزل خلف المكاتب أو فوقها أو تحتها، لكي يتمكنوا من مراجعة وحفظ واستذكار ما درسوه طوال عام كامل بدأ في منتصف سبتمبر 2007.
بمعنى آخر أوضح لمن لا يعرف نظام بكالوريوس الطب في مصر، يمتد (العام) الدراسي لمدة 15 شهراً متتالياً، وليس 8 أو 9 أشهر كما هو المعتاد في بقية السنوات، إذ يبدأ الطلاب الدراسة مع البداية العادية لبقية السنوات والكليات، لكنهم لا ينتهون في الصيف التالي، وإنما يستمرون في الدراسة، ثم يدخلون بياتهم الصيفي والخريفي لمراجعة واستذكار ما درسوه وتستمر فترة "الاعتكاف الدراسي" شهور يوليو وأغسطس وسبتمبر وأكتوبر ونوفمبر وديسمبر وبداية يناير.
أي أن الطلبة يمتحنون رسميا من 22 نوفمبر 2008 حتى 11 يناير 2009 ولكنهم يمتحنون فعليا منذ منتصف يوليو 2008 حتى 11 يناير، أي ما يقارب خمسة أشهر أو يزيد، وهو ضغط نفسي يفوق الوصف.

اعتاد الطلبة في كل عام أن يحتفلوا في يوم انتهاء الامتحانات – بدون انتظار النتيجة نظراً للكبت الذي شرحته أعلاه – وتشمل مظاهر الاحتفال التصوير وتعليق البالونات وبعض المظاهر الأخرى التي تتفاوت من عام لآخر، بحسب الظروف.
في ذلك اليوم 11 يناير شهدت باحة كلية الطب أحداث تستأهل الوقفة، لم يقتصر الأمر على التصوير والبالونات وإنما اصطحب عدد من الطلبة (قلل) لكسرها في باحة الكلية، في حين اشترك عدد من دكاترة المستقبل في شراء زير كبير
وقاموا بتهشميه وسط تصفيق وتصفير حاد من الطلبة والطالبات، انتقلوا بعدها إلى فاصل من الرقص على وقع "الصاجات" والدفوف، واستمر كل ذلك مايزيد عن 3 ساعات.
لم يقتصر الأمر على ماسبق، وإنما حصل بعض الطلبة مسبقاً على إذن من إدارة الكلية بإدخال سماعات (دي جيه) إلى الكلية، وانتقل احتفالهم إلى ملعب الكلية، اصطخب الملعب بالغناء وتحطيم القلل والرقص، الذي اقتصر في معظم الوقت على الطلبة الذكور، لكني سمعت أن حمى هز الأرداف انتقلت إلى الطلبة من الإناث، كلٌ وسط شلته. (للإنصاف أيضاً فإن الذين شاركوا بالتطبيل والرقص كانوا أقلية من الحضور).
ملاحظة: (انصرفت من الكلية مبكراً ذلك اليوم ولم أشارك في هذا الاحتفال بسبب ظروف خاصة يومها، ولكني عاينت ما حدث عن طريق الصور
والفيديو المتاحة على الإنترنت) ملاحظة ثانية: (ما حدث لم يكن فريداً من نوعه في المضمون ولكن كان يحدث مثله في الأعوام السابقة مع اختلاف التفاصيل، عرفت ذلك من خلال أصدقائي الأكبر ومن خلال البحث على موقع اليوتيوب أيضاً).
قد يبدو ما حدث للوهلة الأولى تعبير بريء عن سعادة الطلاب بتخرجهم، وانزياح العبء النفسي الثقيل عن أكتافهم، لكن في الواقع فإن ما حدث جريمة من عدة نواح: الناحية الأولى علمية، حين لم يراع الطلاب قدسية المكان الذي تلقو فيه العلم، والذي لا يجب أن يتحول تحت أي ظرف إلى باحة للهرج والرقص. والناحية الثانية أدبية: إذ أن فيما حدث تجاوز للحد المعقول للاحتفال العلمي وآدابه، ومن ناحية ثالثة فهو لم يراع المناخ العام، إذ حينما كانوا يرقصون على ضرب "الصاجات" كان الشهداء في غزة يتساقطون على ضرب القنابل.
لكن قبل أن ترتفع النعرات التي تتهم (هذا الجيل) بالإسفاف والتفاهة واللامبالاة.. الخ، يجب أن أوضح عدة أمور:

1- من الخطأ تحميل الطلبة الوزر وحدهم، بل هم في رأيي يتحملون أقل الوزر، ليس لأني زميل لهم في الدفعة، وليس لأن معظم الذي شاهدتهم في الصور والفيديو هم من الطلبة المحترمين فعلا الذي عرفت أخلاقهم الطيبة خلال ست سنوات في الكلية، ولكن للدوافع التالية:

2- قبل ذلك الاحتفال
اشتبكت في حوار على منتدى طلابي على الإنترنت، دعا فيه بعض الطلبة إلى إيقاف مظاهر الاحتفال تضامنا مع الأشقاء في غزة.. وحينها قلت إنه لا داعي لإلغاء مظاهر الاحتفال وليس من حق أحد مصادرة حق الطلبة في الاحتفال مع الأخذ في الاعتبار إن الاعتدال والترشيد هو الأصل، ويصبح ترشيد مظاهر الاحتفال لزاما أكثر مع الوضع في غزة.. واقترحت كذلك أن يتم استغلال تجمهر الطلبة لجمع تبرعات مالية لأهالي القطاع، لكن البعض أوضح أن إدارة الكلية رفضت طلباً مماثلاً قدمته إحدى الطالبات. (لاحظ إن نفس الإدارة سمحت بإدخال دي جيه إلى حرم الجامعة!).

3- هاجمني بعض الطلاب في ذلك المنتدى (معظمهم من خلفية إسلامية) بعد كلامي السابق، في حين اعتبرت أن انسحابهم من الحفل هو مسلك هروبي يتنصل من المسؤولية، وقلت إن حضور الطلبة الملتزمين لهذا الحفل سيكون مناسبة لاحتذاء بقية الطلبة بهم وتقليدهم.

4- انهمك هؤلاء الإسلاميون في الحديث عن "التجاوزات الشرعية"، واعتبروا أن استخدام الأغاني و"الاختلاط" بين الطلبة والطالبات، من المحرمات الكبيرة، وإنه لايمكن لهم المشاركة في هكذا احتفال (مع إنهم يدرسون طوال ست سنوات مع ذات الطالبات!)، وإذ انصبت أفكارهم بذاك الاتجاه، فإنهم لم يشغلوا رؤوسهم بفكرة حرمة باحة الجامعة، ناهيك عن التفكير في إخراج الحفل بصورة تسعد الطلاب وتليق بمقام المهنة. وعندما انتهى الحفل، لم يدينوا الأمر إلا من الزاوية الدينية الضيقة التي يختلف معهم فيها أغلبية الطلبة مسلمون ومسيحيون.

5- عندما توافق إدارة الكلية على إدخال (دي جيه) لحرم الكلية، بينما ترفض ذات الإدارة طلباً بالسماح بجمع التبرعات لغزة، وحينما لا يوقف ضباط حرس الكلية الطلاب الذي دخلوا بالقلل والزير، بينما يفتشون في حقائب الرايح والجاي على المنشورات الطلابية ويقومون بمصادرتها.. يمكن لنا أن نقول إن إدارة الكلية – وبكل أسف – شاركت فيما جرى وتتحمل المسؤولية الأدبية والقانونية أيضاً.

6- تقيم إدارة الكلية حفل تخريج رسمي بعد انتهاء سنة الامتياز، وهذا جميل، لكنك ستعزف عن المشاركة في هذا الحفل فوراً عندما تعرف أن تكاليف الاشتراك فيه تصل لعدة مئات من الجنيهات، وإنه يقتصر في الأغلب على كلمات تقليدية رنانة للسادة عميد ووكيل الكلية. مع التقاط بعض الصور. وكان الأولى لإدارة الكلية أن تفتح ذلك الحفل بالمجان للحضور (أو بمبلغ رمزي)، وأن تدعو له أكبر عدد من الأساتذة ليتم الحفل في جو اجتماعي دافئ، بدلاً من ذلك الجو الرسمي الكئيب.

7- لم نسمع – في حد علمي - من أحد من الأساتذة رغبته في مشاركة الطلبة احتفالهم، وفي ذلك استمرار لغياب الدور التربوي للأستاذ الجامعي الذي بات يلهث وراء تحصيل لقمة عيش أولاده.

8- لا يمكن أيضاً تفسير ما حدث دون التطرق لنظام التعليم الذين نخضع له، لكن لأن ليس هذا مقامه فيكفي هنا أن أشير لعدة أمور بتعريج سريع:
أولا: نظام الامتحانات قمة في العقم، يعتمد على (استفراغ) ماحوته أحشائك من معلومات طوال العام (اضطرت الكلية تحت ضغوط دولية لتحديث ذلك النظام وادخال كمية أكبر من الدرجات على أسئلة الاختيار والفهم).
ثانيا: امتحانات الشفهي والعملي يحدث فيها مهازل يعرفها القاصي والداني، وحجم المجاملات التي تحدث لأولاد الأساتذة وأقاربهم وكل من له (ظهر) تتجاوز المعقول. ولن أبالغ إذا قلت إن الفساد دخل الجامعة من باب كلية الطب.
ثالثا: يدفع الطالب في سنة البكالريوس مايقارب من 10 آلاف جنيها في الدروس الخصوصية، تتوزع بين أستاذ الجراحة الذي يأخذ 4 آلاف عن الطالب الواحد، وأستاذ الباطنة الذي يأخذ مبلغ مماثل، ثم الدروس العملية وغيرها، وإذا لم يكن أبوك أحد ملاك الآلاف، فيمكنك الاكتفاء بدرس مع أحد صغار المدرسين الذين تكون دروسهم في حدود ربع الثمن.

كل ماسبق يمثل عبئاً نفسيا مضافاً على الطلاب، بجوار صعوبة الدراسة الطبية وطولها المعروف، وهو مايجعل الطلاب بحق في حالة يرثى لها بعد 15 شهراً من الدراسة.

أضف إلى ذلك انتقال الدور الوطني والمجتمعي للجامعة إلى رحمة الله منذ عهد عبد الناصر، وأصبح صاحب أي نشاط من الطلبة والأساتذة يتعرض لحجم من المضايقات، ليس هنا باب التطرق لها، على النحو الذي حول الساحة الأكاديمية إلى معركة أخرى بين أجهزة الأمن والنشطاء الذين يحاولون ممارسة حقهم في النشاط. مما أدى إلى عزوف معظم الطلبة والأساتذة في النهاية عن ذلك كله (إيثاراً للسلامة).. ناهيك عن حالة الاستقطاب العام – التي لا تستثنى منها الجامعة – بين النظام من جانب وجماعة الإخوان من جانب آخر، والتي ساهمت بدورها في قتل كل التموجات الفكرية داخل الحركة الطلابية بخلاف الخصمين السابقين.

ما أريد أن أخلص إليه هو إنه بين انعزالية من يصفون أنفسهم بالإسلاميين وغياب التيارات الفكرية الأخرى من جانب، ومن جانب آخر تقاعس الإدارة عن تأدية دورها الأبوي والتربوي في تقديم القدوة والإرشاد للطلاب.. حدث ما حدث.. والذي لا يمكن تفسيره بأن الجيل (ممنوش فايدة، وضايع). بدليل أن عددا كبيرا من الطلبة رفض ما حدث وربما لم يشارك فيه، ولأنه لم تتح له فرصة حقيقية لإظهار جديته العلمية والوطنية، إن لم يكن تعرض للعراقيل.

الاثنين، يناير 12، 2009

مكتب الجزيرة في مصر .. صح النوم!!

تسطر قناة الجزيرة هذه الأيام صفحات جديدة من التاريخ العربي، لا بمداد القلم كما اعتاد التاريخ أن يدون، وإنما بالصورة الناطقة كما اعتادت هي أن تدونه، في عصر احتلت فيه الصورة المكانة الأولى ربما فوق المدفع والقنبلة. وما تفعله قناة الجزيرة هذه الأيام في تغطيتها للحرب على غزة، يعزز ويكرس للدور الكبير الذي سجله ويسجله وسيسجله الباحثون والمؤرخون لهذه القناة في تغيير الوعي العربي، وكسر صخرة الجمود التي صنعتها الأنظمة السلطوية على مدار نصف قرن ومنذ أن دخل التلفاز الأرض العربية.

دور الجزيرة فاعل ومؤثر، سواء كنت مادحا أو حاقدا أو ناقما أو مراقبا، وسوف تذكر في التاريخ الحديث للعالم كأحد أهم مداخل الفهم لأسباب المتغيرات التي طرأت وتطرأ على الشارع العربي. وهو ماحدى بمؤرخ ومثقف في وزن الأستاذ محمد حسنين هيكل
لكي يشير إلى "دورها التعبوي الممتاز" في الحرب الأخيرة، في حين أشار لدورها واحد من أهم الكتاب العرب وهو الأستاذ فهمي هويدي في أكثر من مقال له في جريدة الدستور المصرية.

وهي تثبت أيضاً – في رأيي – نهاية زمن الإعلام الأيدولوجي الموجه، وأن الإعلام المستقل يمكن أن يلعب دوراً أكثر خطورة وأقوى تأثيراً من الإعلام الأيدولوجي والحزبي.. وإن الإعلام المقاوم ليس بالضرورة أيدولوجياً أو حزبيا.. لكن ليس هذا هو موضوعنا الآن.

برغم كل ماسبق، لم أملك نفسي - كمصري وعربي وكمحب للجزيرة ومتابع لها - إلا أن أشتعل سخطاً منذ عدة أيام بسبب تغطية مكتب القاهرة الباهتة للتظاهرات والفعاليات الشعبية في مصر المتضامنة مع غزة.
وتبدو تلك التغطية أكثر هزالة إذا ما قورنت بنشاط مكاتب أخرى للقناة في إسرائيل ذاتها (رغم تضيقات جنود الاحتلال وحالة الطوارئ التي فرضها العسكر) وعواصم عربية صغيرة مثل عمان وصنعاء أو حتى اسطنبول خارج القطر العربي، ناهيك عن نشاط الزملاء المستمر داخل غزة نفسها.

المكتب الذي أخفق في ملاحقة الغضب الشعبي بكاميراته، تبدو له مبررات خاصة معروفة ومفهومة للعاملين في الوسط الإعلامي المصري.. فمصر دوناً عن بقية الدول العربية لها وضع أمني خاص، ويزداد خصوصية الآن، في ظل تعقدات الأوضاع ودخول الدولة المصرية كطرف في التجذابات السياسة الحادة المندلعة بالمنطقة.
يتعامل الأمن المصري بعنف شديد ودون أية لياقة حتى مع المراسلين الأجانب .. والقاعدة ترسخت منذ انتخابات مجلس الشعب الأخيرة وانتفاضة القضاة حين أدرك الصحفيون أنه ليست لهم أية حصانة ميدانية عندما يغضب النظام المصري، (وهي حصانة توهمها بعض الصحفيين أمام سطوة العدسات المسلطة)، لكن القاعدة التي جدت حينها هي أن النظام لم يعد يخجل حتى من أن يظهر جنوده على الشاشات وأمام العدسات وهم يضربون الصحفيين أو يكسرون كاميراتهم ويسحقونها بالأقدام. وهو ما وجد صداً لدى الصحفيين الذين باتوا أكثر حذراً وحرصاً على "سلامتهم" الشخصية، وسلامة الكاميرات باهظة الثمن التي بحوزتهم. والكلام السابق ينطبق على معظم الصحفيين دون تخصيص.

ومن ناحية أخرى يبرز مبرر آخر وهو أنه لا يوجد مراسلون بالعدد الكافي الذي تطلبه تغطية دولة مثل مصر وهذا خطأ غير مفهوم من إدارة القناة نفسها، ربما نابع من ضغوط أمنية أيضا، فمصر الدولة العربية الكبرى، وصاحبة الرأي العام الأكثر تفاعلاً، والتموجات السياسة الأكثر اضطراما في الآونة الأخيرة.. لا تحظى بنصف عدد مراسلي الجزيرة في غزة التي تمثل (360 كيلو متر مربع) .. وفي حين يطل نصف ضيوف برامج الجزيرة من شاشة القاهرة، وتنطلق معظم التفاعلات الدبلوماسية والسياسية من أروقة الحكم في مصر، فإن النقص في مكتب الجزيرة ازداد أثراً حينما رحل أحد المراسلين الأكفاء (عمرو الكحكي) إلى الجزيرة الإنجليزية.

لكن كل ذلك لا يبرر أن تظهر التغطية هزيلة إلى هذا الحد .. معظم الأخبار عن مصر تظهر في النيوز بار أو في النشرة بدون أي صور، وحينما تجيء فإنها تجيء متأخرة عدة ساعات على عكس التظاهرات في بقية العواصم العربية التي تبث مباشرة في الأغلب.
ومنذ اندلاع الحرب (بعد مضي 14 يوماً) لم يظهر سوى 3 أو 4 تقارير من مصر، وكانت هناك تظاهرات واشتباكات كبيرة لم يغطها مكتب الجزيرة.. وحين كان عشرات الآلاف من طلاب جامعة القاهرة وجامعات أخرى يشتعلون غضبا في تظاهرات حاشدة، كانت الجزيرة تبث مسيرة ل 500 طالب بجامعة قطر، التي ربما لا يبلغ عدد طلابها مجتمعين نصف عدد طلاب فصل دراسي واحد في كلية واحدة بجامعة القاهرة.
وفي اشتباكات مسجد الفتح بميدان رمسيس اكتفت الجزيرة باتصالات هاتفية مع بعض القيادات الحزبية هناك ولم تتعامل مع الخبر بحجمه فيما أعلم.

أعرف حجم الضغوط والأعباء الملقاة على عاتق العاملين في مكتب القاهرة، وحجم المهمة التي يضطلعون بها برغم ضآلة حجم المكتب والعاملين فيه.. لكني أعرف أيضا أن عيون المواطنين العرب الآن لا تتابع سوى الجزيرة وأنهم ينتظرون من رجالها في كل مكان أن يتخطوا كل العراقيل، ويبذلوا مزيداً من الجهد. وأعرف أيضا أن مكتب الجزيرة يتلقى – بحكم شهرته – إخطاراً مسبقا بكل الفعاليات الشعبية والسياسية في البلاد، بل ويتطوع العشرات من المكاتب الإعلامية للأحزاب والصحفيين الهواة إلى إعطائه نسخاً مجانية من صور التظاهرات وأشرطة الفيديو للفعاليات خاصة في المحافظات التي لا يتمكن المكتب من بلوغها. صحيح أن معظم تلك الأشرطة تكون رديئة الجودة وغير صالحة للنشر بمعايير البث الاحترافية، لكن هذا أيضا ليس مبرراً.

بقي أن أشير إلى أنه في حوار أجريته عام 2006 مع الأستاذ وضاح خنفر مدير عام القناة سألته عن عمليات توسعة مكتب القاهرة المخطط لها منذ عدة أعوام وأجاب أنها قيد التجهيز، ولم يحدث شيء حتى الآن (يناير 2009)، وفي حوار آخر مع الأستاذ أيمن جاب الله نائب رئيس تحرير القناة، في نهاية 2007 أجاب بدبلوماسية عن سؤالي حول تقصير مكتب القاهرة في نقل الأحداث، واعترف بالعبء الشديد على المكتب وحاجته لزيادة المراسلين.

لا أتابع القناة طوال اليوم، وإن كنت أزعم أني أتابع تغطيتها للحرب بكثافة (عدة ساعات في اليوم)، بالإضافة إلى إطلاعي على أرشيف التقارير في موقع الجزيرة نت وعلى اليوتيوب، لكن برغم كل ذلك ربما تكون أحكامي السابقة نابعة من قصور الإطلاع، وإدارة القناة ولجنة المتابعة وتقييم الجودة بها أقدر على الحكم على ما يبث في شاشتها طوال 24 ساعة، لكني لا أبالغ أبداً حين أقول إن موقفي السابق لا يعبر عن رأيي كفرد صغير، ومحدود الخبرة، بقدر ما يعبر عن شريحة واسعة جداً من أصدقائي والصحفيين العاملين في العديد من المؤسسات الصحفية في مصر.

والمشكلة الأهم التي ينبغي إدراكها، أن التقصير في نقل مشاعر وغضب المصريين ربما يظهر المصريين وكأنهم في خانة حكومتهم، وأنهم يحتلون نفس موقفها، خاصة بالنسبة للمشاهدين من العرب الذين لا يطلعون على الأحداث اليومية في مصر ولا تصلهم صحف مصر المستقلة. وتمثل الجزيرة نافذتهم الأساسية على الأحداث في مصر.

في النهاية أرجو أن يفرق الجميع بين محاولات الهدم والتشويه ، ومحاولات النقد للتصويب واوتصحيح المسار.. وألا يأخذ أحد الكلام السابق على محمل شخصي.. فكلنا في خندق حد.